عبد الكريم الخطيب

929

التفسير القرآنى للقرآن

فضل صاحب القوة الجسدية عليه ، وبهذا يتعادل الأقوياء والضعفاء ، ويكون من ذلك أن يكبح جماح أصحاب القوى الجسدية ، التي كانت أظهر قوة عاملة ، في مجال البغي والعدوان وفي تسلط الأقوياء على الضعفاء . . وننظر في المجتمع الإنسانى اليوم ، فنجد أن اختراع القنبلة الذرية ، التي هي أشنع ما عرف من أدوات التدمير والإهلاك . . قد كانت في أول أمرها يوم وقعت ليد أمة من الأمم ، كانت مصدر خطر عظيم في يد هذه الأمة ، تكاد تهدد به العالم ، ولكن سرعان ما سعت غيرها من الأمم إلى امتلاك هذه القوة الرهيبة ، وسرعان ما بطل مفعولها أو يكاد يبطل ، حيث أنها نذير بالشرّ العظيم للأطراف المتحاربة بها جميعا . . وهنا نلمح إشارة مضيئة من قوله تعالى : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » - تشير إلى قوله تعالى : « وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ . . فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ » فالقصاص إزهاق نفس ، ولكن فيه حياة لنفوس ، إذ أن القصاص يقتل في نفوس ، كثير من الناس ممن تحدثهم أنفسهم بالقتل - يقتل فيهم تلك النزعة الداعية إلى القتل ، خوفا من أن يقتل القاتل بمن قتله . . وكذلك الدروع التي يلبسها المتحاربون ، هي وقاية لكل منهما من عدوان الآخر عليه . . وليس هذا شأن الدروع وحدها ، بل هو شأن كل وسائل القتال ، والدفاع . فهي وإن كانت أداة تدمير وهلاك ، هي في الوقت نفسه عامل ردع وزجر . . بل إنها دعوة إلى السلام ، وإخماد نار الحروب ، إذا توازنت القوى بين الأمم . وقد كان من تدبير اللّه تعالى ، أن وضع هذه الدروع أول ما وضعها في يد نبىّ كريم ، لا يكون منه بغى أو تسلط . . ثم أصبحت ملكا مشاعا في الناس جميعا . . وثانيا : أن القرآن الكريم في حديثه عن الدروع ، وعن أنها نعمة تستوجب الشكر ، إنما يتحدث إلى المجتمع الإنسانى ، الذي من طبيعته البغي